أحمد بن علي القلقشندي
98
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
ويلي الجناب لفظ الكريم ولفظ العالي ، فيقال « الجناب الكريم العالي » و « الجناب العالي » . ويلي المجلس لفظ العالي والسامي ، فيقال « المجلس العالي » و « المجلس السامي » . والألفاظ التي تتبع ، وهي الأشرف والشريف والكريم والعالي والسامي ، بعضها أرفع من بعض على الترتيب . فالأشرف أرفع من الشريف ؛ لأن أشرف أفعل تفضيل يقتضي الترجيح على غيره كما هو مقرّر في علم النحو ؛ والشريف أرفع رتبة من الكريم لما تقدّم عن ابن السّكَّيت أن الكرم يكون في الرجل وإن لم يكن له آباء شرفاء ، والشّرف لا يكون إلا لمن له آباء شرفاء . ومقتضى ذلك ترجيح الشريف على الكريم لاقتضائه الفضل في نفس الشخص وفي آبائه ، بخلاف الكرم ؛ ولذلك اختير الشرف لأبناء فاطمة رضي اللَّه عنها دون الكرم . والكريم أرفع رتبة من العالي ، لأن الكريم يحتمل أن يكون من الكرم الذي هو خلاف اللَّؤم ويحتمل أن يكون من الكرم الذي هو خلاف البخل ، وكلاهما مقطوع بأنه صفة مدح ، وإن الأقرب إلى مراد الكتاب المعنى الأوّل . والعالي يحتمل أن يكون من علي بكسر اللام يعلى بفتحها علاء بفتح العين والمدّ إذا شرف ؛ ويحتمل أن يكون من علا يعلو علوّا إذا ارتفع في المكان ؛ وليس العلوّ في المكان مما يدلّ على صفة المدح إلا أن يستعار للارتفاع في الشرف فيكون صفة مدح حينئذ على سبيل المجاز وإن كان مراد الكتّاب هو المعنى الأوّل ؛ وما كان مقطوعا فيه بالمدح من الجانبين أعلى مما يكون مقطوعا فيه بالمدح من جانب دون جانب . وقد اصطلحوا على أن جعلوا العالي أرفع من السامي ، وهو مما أنكر على واضعه ، إذ لا فرق بينهما من حيث المعنى ، لأن السموّ بمعنى العلوّ . والذي يظهر أن الواضع لم يجهل ذلك ولعله إنما جعل العالي أرفع رتبة من السامي وإن كان بمعناه لأن العالي لفظ واضح المعنى يفهمه الخاصّ والعامّ ، فيكون المدح به أعمّ باعتبار من يفهمه ، بخلاف السامي فإنه لا يفهم معنى العلوّ منه إلا الخاصة ، فيكون المدح به أخصّ لاقتصار الخاصّة على معرفته دون العامّة .